الأحد، 24 سبتمبر 2017

الفصل 5 - 6 - 7

الفصل الخامس



أيام تمضي، تليها أسابيع وشهور. ثم عام فعام، واحميدة يقبع في كوخه.. يعد أكواب الشاي للعمال، وبعض الطعام البسيط،لقد أصبح قادرا على إعداد بعض الوجبات الخفيفة، التي زادت دخله، وأضحى اسم "ادزايري" غالبا على اسمه الحقيقي.. حياته تمضي في هدوء. يقضي سحابة يومه منشغلا في الحديث مع الحارس وإعطاء العمال ما يطلبونه.. أضاف إلى تجارته بيع السجائر المقسطة فاكتسب زبائن إضافيين.

في المساء عندما يغادر العمال المصنع، كان احميدة يجمع عدته وأجهزته البسيطة، ينظفها، يرتبها جانبا، يغلق الكوخ، ثم يتوغل في المدينة. كان لا بد ان يفعل ذلك. هذا الأمر يشعره بشيء ما. بأن الحياة تتدفق قوية، وأن الأمور ستتغير يوما..يمضي بلا تردد يتطلع في الواجهات و المارة ، كلما وقع بصره على امرأة بحث فيها عن وجه الزاهية ، في مرات عدة كان يوشك على إقاف امرأة او اقتفاء خطواتها ظانا أنها الزاهية بلحمها و دمها ، بيد انه سرعان ما يرعوي و يعود إلى رشده ، متيقنا بأن الزاهية بعيدة عن هذا المكان و لا يمكنها أن تتنقل بمفردها إلى الجهة الأخرى من الحدود ، حين يرى طفلا في سن ابنه المفترض "المهدي " يبتسم ، ثم سرعان ما يرين على نفسه حزن مقيت ، لا يتخلص منه إلا بعد لأي.

بعد ان ينال حظه من التعب و الألم ، كان يحرص على اقتناء جريدة كل يوم تقريبا.. يجلس في المقهى، ثم يطلب من طالب شاب عاطل أن يقرأ له ما كتب في الجريدة. حلريصا كان على معرفة التطورات في العالم، وأهم منها ما يحدث بين الجارين الشقيقين العدوين، ينتظر بفارغ الصبر أن تنفتح الحدود.

حينما يأخذ كفايته من الجلوس في المقهى، يتقهقر نحو كوخه، يتسلل إليه، يشعل شمعة ويقضي باقي الليل ساهرا مفكرا في مصيره الذي يكبس على أنفاسه. فكلما فكر أن الأمر سينتهي، تزداد مدته وتطول.

في تلك الليلة وهو يتعثر في خطوته الليلة. التفت فجأة خلفه بعد أن شعر بأن شيئا ما يتبعه، فإذا به يجد كلبا صغير الحجم يميل إلى الصفرة يقتفي خطواته. وإن كان غبش الليل لم يسمح له بتبين اللون الحقيقي لهذا الكلب. توقف ..رمقه بنظرة حانية، توقف الكلب كذلك. استانف احميدة المسير، فتبعه الكلب من جديد. توقف احميد ثانية، فتوقف الكلب، ناداه بحركة من يده، وصفير خافت. تردد الكلب للحظة، ثم ما لبث أن بصبص بذيله، وتوجه نحوه، هكذا بدأت علاقة جديدة بين احميدة والكلب، الذي اطلق عليه اسم " المجلي " والذي سيلازمه - بعد ذلك- مدة طويلة من عمره. حين وصلا إلى الكوخ قدم احميدة للكلب بعض القطع من الخبز، التي التهمها الجرو ممتنا، ثم انبطح على الأرض..غاب احميدة داخل كوخه للحظات كانت كافية لسخين الشاي ،ثم خرج منه ..أسند ظهره على جدار الورش. أخرج غيلونه، وبدأ في تدخين الكيف، بعد أن أعد لنفسه جلسة مناسبة، و طفق يدخن و يرتشف الشايبنزع من الانتشاء الذي تحن له نفسه.

صباح اليوم التالي، كان الجرو لا يزال يملأ بوجوده الطارئ محيط الكوخ. أطلق نباحا متقطعا.. كان احميدة يرمقه بعينين حانيتين وبين فترة وأخرى يقذف له بعض كسر الخبز، التي يقبل عليها الجرو بامتنان.

بعد أن يوزع احميدة الطلبات على العمال، محاولا ان يلبي للجميع رغباتهم، كان يختار مكانا مناسبا، يجلس فيه، ويتطلع إلى الأطفال حاملي المحافظ ،المتجهين بفتور صباحي ظاهر إلى المدرسة. هذا الطقس اليوم كان أبدا لا يخلف موعده. كان يخفف ما في نفسه من هم ، و يجدد الأمل في أعماقه بأنه سيرى يوما ابنه المهدي، الذي يقدر الآن أنه أصبح في سن يؤهله للذهاب إلى المدرسة، حين كان احميدة يفعل ذلك، تلمع في أعماق عينيه نظرة مشرقة، كان الحارس يشاركه فرحته، فيلقي بكلماته المشجعة وهو يقبع في مكانه أمام باب الورش.

-لا تحزن آدزايري، ستراه السي "المهدي" قريبا.

يرد عليه بابتسامة، تعبر عن امتنانه، ثم ما يلبث أن يبتلعه الكوخ، فيما ينخرط الكلب في سورة في النشاط يركض هنا وهناك، يبصبص بديله ..ينبطح أرضا يتمرغ في التراب، ثم ينتفض واقفا، ويركض من جديد ، وحين ينال كفايته يعود إلى باب الكوخ ويتمدد هناك في انتظار إشارة أو حركة من صاحبه.

حين يعتزم احميدة على إحضار بعض البضائع ، التي يحتاجها في عمله كان يصر على أن يذهب إلى مركز المدينة، يمضي راجلا يحث قدميه على التهام الطريق، كان ذلك يبعث النشاط في أوصاله ،بعد قعدته الطويلة في الكوخ ، لقد تعود جسده على الحكة و التعب ، فلا يميل إل حياة الدعة و الخمول.. يشتري ما يحتاجه، يعرج في طريقة على المسلك المؤدي إلى الممر الحدودي، يلقي نظرة من هناك ثم يعود نحو كوخه.. في طريقه كانت دوما تلفت انتباهه امرأة ، قدر أنها تتجاوز العشرين بقليل لكنها لم تتجاوز الثلاثين من عمرها. كان جمالها ملفتا، تغادر العمارة في أوقات معينة ، أصبح يحفظها، ويتعمد أن يمر أمامها في تلك الأوقات تحديدا، يراها تحمل بعض البضائع التي اقتنتها من السوق، وتعود بها إلى شقتها في العمارة.

في أوقات معينة كانت نفسه تحن إلى رؤية تلك المرأة ، إنها تشبه الزاهية بشكل مثير، وكأنها هي. كان يختلق الأعذار لنفسه ليمر من أمام تلك العمارة، في بعض الأحيان يرافقه الكلب الذي ازداد حجمه كبرا، وفي أوقات أخرى يصر على الذهاب وحده. اختار مقهى يشرف على العمارة ليقضي فيه بعض أوقات فراغه. وحين تلوح له من بعيد يترك كل شيء، يحمل جسده وينخرط في هرولة، تسمح له بأن يجعل من لقائه بها صدفة غير مدبرة. بدأت المرأة تنتبه تدريجيا لوجوده المخاتل، الذي لا يكاد يعلن عن نفسه . أخذت كلما التقيا في الطريق، أو تقاطعا على الرصيف ترسم على شفتيها ابتسامة خجلى، تجود بها عليه.

اكتفى احميدة بهذه الابتسامة التي أضحت تدريجيا تزين حياته الفارغة من حنان أنثوي، يشعر بنفسه في أمس الحاجة إليه.

علاقة احميدة بالحارس جعلت كل منهما يعرف عن الآخر الكثير من الامور الشخصية، كان الحارس يعرف أن احميدة يتوفر على رخصة سياقة، لكن الوثيقة التي تثبت ذلك بقيت هناك وراء الحدود في الجزائر. ومع ذلك ما إن علم بأن الورش يحتاج إلى سائقين للشاحنات من أجل نقل البضاعة إلى المدن القريبة والبعيدة، حتى توجه نحو صديقه في كوخه المتواضع ..ألقى عليه التحية كالعادة ثم قال له :

- يبدو أنك نلت رضا والديك آدزايري.

ابتسم احميدة ابتسامة امتنان لصديقه ثم أجابه :

- الله يسمعنا خيرا.

- كل الخير إن شاء الله، أخبرتني سابقا أنك تحسن السياقة.

- نعم أحسنها.

- الورش يبحث عن سائقين للشاحنات، هاته فرصتك.

متحسرا رد عليه احميدة :

- لكن الوثيقة ظلت هناك في الجزائر، لم أكن أستعملها منذ أن استقررت في البادية، وامتهنت الفلاحة.

ابتسم الحارس ورد عليه أحميدة :

- هذا أمر بسيط. هل لديك قدر من المال كاف.

- طبعا لقد تجمع لي في هذه السنوات بعض النقود.

- إذن الأمر منته، غدا سأرافقك عند صديق لي، يشتغل في مركز منح رخص السياقة، وسيسهل أمورك.

- الله يرحم والديك آصاحبي.

- فقط عليك أن تعد بعض الصور.

- لكني سأحتاج إلى شهادة السكنى.

- لا تخش شيئا، لقد فكرت في كل شيء، الرجل المكلف بإعطاء شهادة السكنى في الحي الذي أقطن فيه يقنع بالقليل، سنمنحه ورقة نقدية محترمة وسنحصل على الشهادة.

شعر أحميدة بأن الحياة تفتح له أحضانها من جديد، بعد أن صدته عنها لمدة طويلة، لم يصدق ما يحدث له في هذه الأثناء، لم يتمالك نفسه فارتمى في أحضان الحارس وعانقه عناقا حارا. رد عليه الحارس بأن ربت على ظهره وهو يقول :

- نحن إخوة آدزايري. ماتشغلش بالك بهذه الأمور.

حمل أحميدة معه فرحة المتبرعم وذهب إلى كوخه يستشرف مستقبله في السياقة، والخروج من حياة البؤس التي وجد نفسه ضحية لها. حضرت إلى الذهن زوجته الزاهية، جميلة ومشرقة، ومحرضة إياه على اقتراف مغامرة الحياة. ابنه المهدي كذلك تبدت ملامحه بارزة قوية، وابتسامته التي تدعوه إلى عدم تضييع الفرصة التي أتيحت له، حتى يعد نفسه للقاء الذي منى نفسه بأن يكون وشيكا ، خاصة بعد تواتر الأخبار عن إرخاء قبضة السلطات الأمنية عن منطقة الحدود في الجهة الأخرى، وأخذ الناس يتوافدون عليها، وكلهم أمل أن يلقوا نظرة على الأحبة، أو اقتناص كلمة تائهة يتصيدها ولو عن بعد ، قرر أن يكون في تلك اللحظة رفقة المتجمهرينقرب الحدود ممنيا نفسه بهدية قد ل تكون في الحسبان. لقد جرب ذلكسابقا و لم يظفر سوى بالحسرة و بعض اليأس ، لكن لا بأس .ذهب إلى المنطقة التي يقصدها الناس، ضاع وسط الجموع الغفيرة. كل منهم يسعى جاهدا ليبلغ رسالته الصوتية إلى قريب، فرق بينهما مكر السياسة الذي لا يؤمن جانبه. ظل هناك واقفا ينتظر، كل امرأة في الجهة الأخرى البعيدة تبدو له شبيهة بالزاهية أو هي نفسها. لكن هيهات. كيف يمكن له أن يتأكد من ذلك.

رأى أناسا ابتدعوا أشكالا مختلفة للتواصل. يلوحون برداء بلون معين، يظنون أن الجبيب في الجانب الآخر سيميزه عن غيره، هناك من يكتب ورقة يلفها في حجر، ثم يلقي بها بكل ما يملك من قوة. تصل الحجرة، وتتلاعب الرياح بالورقة، أو يتساقطان معا في هوة سحيقة، حيث الوادي الجاف المليء بالحجارة.




الفصل السادس



مع مرور الأيام اكتسبت الزاهية نوعا من الحياد تجاه كل ما يحيط بها.. فقدت شهيتها لكل شيء. لم يعد من أمر يحرك وجدانها بقوة. لقد ركزت عواطفها في الغائب البعيد. تمني النفس بعودة محتملة. أحيانا تبدو لها قريبة، وأحيانا أخرى بعيدة جدا، بل ليست ،في حقيقة ، الأمر سوى أضغات أحلام .. ابنتها المهدية تكبر أمام عينيها. تحاول جاهدة أن تنقل لها كل ما يمكن أن يقربها من أبيها الغائب. في أحايين عدة تحدثها وكأن احميدة سيعود هذا المساء إلى البيت. ترغبها به، وتهددها إن أساءت عملا بعقابه لها.

ذهبت الزاهية مرارا إلى حيث تشعر بأن زوجها قريب منها قطعت تلك المسافة مرات عدة. الرحلة تتبعها ، و مع ذلك كانت مصرة على القيام بها، على الأقل يوما في الشهر .في السنوات الأولى كان العساكر يبعدونها عن المنطقة بدعوى اعتبارها حزاما عسكريا لا يحق للمدنيين الاقتراب منه،تحملت قسوتهم و انضباطهم العسكري بكثير من الصبر و الأمل..هناك كان تلتقي أناسا عرف أقاربهم نفس المصير ، الذي عرفه زوجها.. يجتمعون هناك ويتحدثون في الأمر، ويبحثون عن حلول مناسبة. لكن كل كلامهم يذهب أدراج الرياح لأن لا أحد قادر على ترجمة أقوالهم إلى أفعال. يحاولون المرور إلى حيث يمكنهم إلقاء نظرات قريبة، فيكون مصيرهم الصد.. يستعطفون العساكر.. يحاولون تقديم الرشاوي.. لكن كل ذلك باء بالفشل، لأن الأوامر صارمة، بعدم اقتراب أي أحد من المنطقة العازلة.. بمرور الأيام والشهور والسنوات ارتخت قبضة السلطات العسكرية على المنطقة، وسمحوا تدريجيا للناس بالاقتراب. كانت الزاهية في الموعد. هرولت نحو المنطقة القريبة من الممر الحدودي. حملت منديلا كان يستهوي احميدة حينما كان يعيش بين أحضانها، بدأت تلوح به كالمجنونة، وكثير من الدموع تغسل وجهها. كانت تبكي وهي تردد بعض الكلمات المبهمة، وكأنها تستعطف الأقدار بأن تجود عليها بنظرة واحدة لزوجها الغائب، لعل ذلك يطمئن فؤادها، فقط كانت في حاجة إلى أن تتأكد بأنه لا يزال هناك، على مقربة منها، حتى إذا ما انفتحت الحدود عاد إليها وإلى ابنتها المهدية، التي لم تكحل بصرها يوما بمرأى أبيها.

حين يقترب المساء. تعود الزاهية إلى البيت حاملة معها خيبتها. بعض الانكسار يظهر على ملامحها. حتى أن المرء يظن أنه أمام امرأة أخرى، لا علاقة لها بالزاهية، التي سرقت قلب احميدة، وقلوب الكثير من الشباب قبله وبعده. حزينة كانت، ومغلوبة على أمرها. تشعر بالعجز وقلة الحيلة. في لحظات معينة تشعر بمدى الانحدار النفسي الذي أصبحت تحيا على إيقاعه، تحاول أن تتدارك الأمر، لكن كل محاولاتها تذهب سدى، هناك شيء ما في أعماق أعماقها تحطم، ولا يمكن أن ترممه وتعيده إلى ما كان عليه من قبل، سوى عودة الحبيب الغائب: احميدة الذي عرفت معه الحب والسعادة والاستقرار والأمان.

ابنتها المهدية بلغت سن التمدرس، وأخذتها أمها إلى المدرسة التي توجد في المركز الحضري القريب من القرية. هناك أصبحت تتلقى دروسها، كانت جدتها ترافقها في الطريق ، فتملأ رأسها بالكثير من الحكايات. تحكي لها عن الاستعمار الفرنسي الذي استوطن البلاد لسنوات طويلة، حتى كادت الجزائر أن تصبح فرنسية، ثم تحدثها عن أبطال الجزائر الأحرار، الذين قدموا أرواحهم من أجل أن تنعم بلدهم بالاستقلال والكرامة. كما تحدثها عن جدها، الذي فقد حياته في سبيل نصرة الوطن. تستفيض في القول فتخبرها عن فرسه المحببة التي كان يسرجها باحتفاء يسرق ألباب الناس.. حين يمتطي صهوتها، يعطي للجميع الإحساس بأنه بطل قادم من زمن غابر. كان يحسن كل شيء يقوم به، كما تردد الجدة. ولا يستقر له مقام في مكان.. حكت لها عن رحلاته المتكررة إلى المغرب، وخاصة المدن المتاخمة للحدود مثل وجدة وفكيك. من هناك كان يأتي للثوار بالدعم والذخيرة لنصرتهم . لم تكن الحدود مغلقة- تضيف الجدة - كما هي الآن. الجزائري ينتقل بسهولة إلى المغرب ، والمغربي لا يجد عنتا في التنقل نحو الأراضي الجزائرية. لم نكن نفرق بين المغاربة والجزائريين. كنا أهلا وأقارب وأحبة. قبل الاستقلال كان جدك يخبرني بأننا إن نلنا استقلالنا كما ناله المغرب حتى نصبح بلدا واحدا. كان يخبرني دائما – تضيف باحتفاء – بأن الفرنسيين هم الذين يحاولون بدسائسهم ومكرهم أن يفرقوا بيننا. لكننا لم نسقط لهم في فخ التفرقة.

المهدية تصغي باهتمام إلى كل ما تجود به جدتها، وهي تداعب بقدميها الطريق المترب الذي يقودها إلى المدرسة، ومن حين لآخر تسأل جدتها عن أبيها. تفزج الجدة عن تنهيدة:

-والله لا أفهم لحد الآن ما ذنبه. كان رجلا منا، يحبنا ولم نشعر يوما أنه غريب عنا، لكن فجأة قالوا بأنه مغربي عدو للجزائر، ويجب أن يرحل إلى بلده، لكن تأكدي يا ابنتي بأنه سيعود.

تشعر الزاهية بأنها تتغير بشكل مضطرد. قوتها تنفلت منها ، تخونها.. الضربة القوية التي تلقتها بترحيل زوجها أحدثت ألما في القلب والصدر. بين فترة وأخرى تشعر بشيء ما ينغرس في صدرها، ثم لا يلبث أن ينقلب إلى القلب، فتحس بضعف ووهن. تقاوم وتقاوم. تحاول أن تتماسك بكل ما تملك من صبر وإرادة، لكن الأمور أصبحت فوق طاقتها. تلتجئ للفراش.. تبكي .. تئن.. تناجي ربها.. تناجي الغائب، فتزيد حالتها سواء. نبهتها أمها إلى ذلك. لكن لا حيلة لها. إن ما يحدث أكبر من إرادتها. إنها تنهار تدريجيا، ولم تعد المقاومة تجدي نفعا.. في نهاية المطاف أقنعت نفسها بأنها في حاجة ماسة إلى راحة طويلة الأمد. راحة أبدية. هكذا هو حظها عاثر، فلتقنع به. إنها لم تعد قادرة على التحمل.. حين تردد هذا الهاجس في نفسها شملها هدوء لا مثيل له،أصبحت مستسلمة لقدرها. لم تعد متحمسة لفعل أي شيء. فقط كانت تدعو المهدية إليها، تندس رفقتها تحت الغطاء، ثم تبدأ في سرد حكاية زوجها. تحكي لها عن تفاصيل حياته.. تفاصيل التفاصيل.

تشعر في قرارة نفسها أنها تعدها لما سيحدث مستقبلا، هاجس ما ألقى في روعها أنها أبدا لن ترى زوجها ثانية.. لم تعد لديها القوة للاستمرار، فقررت أن تتحلى بالشجاعة اللازمة، وأن تعد ابنتها لما هو آت. أخبرتها عن المنطقة الحدودية "زوج بغال" وأوصتها بأن أباها هناك ينتظرها وطال الزمن أو قصر، سيلتقيان.. أوصتها بجدتها خيرا. فهي امرأة طيبة – كما قالت- رغم أنها تفتقر للخبرة في الحياة.

كانت المهدية تستغرب طبيعة كلام أمها ولهجتها. سألتها يوما:

- لم تخبريني ماما بكل هذه الأمور؟ هل ستسافرين وتتركيني هنا؟

حضنها الزاهية بقوة إلى صدرها، ثم ترد عليها:

- لا يا بنيتي. لن أفعل ذلك، لكن لا أحد يضمن عمره.

تزداد المهدية ارتباكا ويزيدها كلام أمها بلبلة، فبدل أن يطمئنها يضاعف خوفها. تلتصق أكثر بصدر أمها وتنحب بصمت ، وقد تداعى في ذهنها أنها لا بد فاقدة أمها بعد أن فقدت أباها.

في أحد الصباحات تأخرت الزاهية على غير عادتها في مغادرة فراشها، انسلت المهدية من الفراش، وذهبت إلى غرفة جدتها لتوقظها من نومها، كي تعد لها الفطور، وترافقها إلى المدرسة، لقد أشفقت على أمها وتركتها مستلقية في فراشها.

حين فتحت الجدة باب غرفتها سألتها:

- لم لم توقظي أمك؟

- أمي مريضة، ويجب أن تظل نائمة، حتى تستعيد عافيتها.

-الله يرضى عنك يا ابنتي. لكنها ستغضب إن لم تطمئن عليك قبل الذهاب المدرسة. اذهبي وأيقضيها. أنا سأتكفل بإعداد الفطور.

ركضت المهدية نحو غرفة أمها. فتحت الباب، انسلت داخلها. أخذت تنادي أمها. لكنها لا تستجيب. نطت إلى أعلى السرير، حركتها بلطف في البداية ، ثم رجتها بقوة، لكن بدون جدوى، لم تبد عن الأم أي استجابة. حينذاك شعرت المهدية بالفزع. خرجت مسرعة من الغرفة وتوجهت نحو جدتها.. ألفتها تحلب البقرة. أخبرتها بأنها حاولت إيقاظ أمها إلا أنها لم تستجب لها .. تركت الجدة ما كانت بصدد القيام به. خفق قلبها بشدة. تدحرجت نحو الغرفة، أخذت تنادي ابنتها بقوة:

- الزاهية.. ابنتي الزاهية، هيا قومي.

لكن ما من مجيب، تقدمت نحوها. حركتها بلطف، ثم بعنف. لا استجابة. حينذاك أطلقت صرخة قوية أفزعت المهدية التي كانت تتابع المشهد بوجل. التفتت نحوها الجدة ثم قالت كلمات أكبر من أن تستوعبها الطفلة:

- ماماك الله يرحمها.

منذهلة ردت عليه المهدية:

- مالها؟

- لقد ماتت الزاهية.





الفصل السابع




حياة جديدة فتحت أبوابها لاحميدة. لقد حصل على رخصة السياقة، وبدأ عمله الجديد كسائق للشاحنة التي تنقل مواد البناء المصنعة إلى أحياء مدينة وجدة والمدن المجاورة.طال حياته تغيير جذري، وأصبح ضروريا أن يغير الكثير مما اعتاد عليه سابقا.. أول ما كان عليه أن يغيره مقر سكناه. لقد اقترح عليه الحارس أن يشتري مسكنا جديدا بالقرب من مسكنه في ضاحية مدينة وجدة. هناك تتناسل بعض الدور العشوائية التي تستقطب المهاجرين من البوادي القريبة والبعيدة لكسب قوت عيشهم، لم يتردد احميدة في قبول اقتراح صديقه، فوطد العزم على ذلك. انتقل في اليوم الموالي إلى الحي الذي يقطن فيه الحارس قام بجولة هناك ، و تعرفا على الأاسعار عن كتب ، لم تكن تغريه الإقامة هناك لأنك دائم التفكير في الأحبة الذين سيعود لهم يوما ، بعد مساوامات عدة اسقر الاختيار على مسكن على بعد خطوات من منزل الحارس ، فلم يمض غير قليل من الزمن حتى كان لاحميدة مسكن يأوي إليه، إنه مسكن بسيط، لكنه يفي بالغرض، فلازال يتعرش في قلبه ووجدانه أن إقامته في هذه المدينة ليست سوى إقامة مؤقتة. دائما كان يفككر بأن الحدود ستفتح حتما يوما ويعود إلى أهله.

ظل احميدة وفيا لجلوسه في المقهى.. دون أن ينسى اقتناء الجريدة، ويبحث عن الشخص المناسب لبقرأ له بعض ما جاء فيها. فبعد أن فقد أثر الشاب العاطل الذي كان يقوم له بالمهمة، وجد في المقهى شخصا آخر يتطوع لفعل ذلك. ارتبطت بينه وبين أستاذ غريب عن المدينة علاقة متينة، فكان هذا الأستاذ يقرأ له بعض العناوين والمقالات التي تلقى هوى في نفس احميدة ويشرح له مضامينه. كانت تستوقفه أخبار فلسطين بعد حرب سبعة وستين. فبعد استيلاء اسرائيل على الكثير من الأراضي العربية في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن ومصر، أقامت حدودا صارمة بأسلاك شائكة وأخرى كهربائية يحرسها جنود أشداء لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم طريقا، بسبب هذه الحرب وانتزاع الأراضي تشتت الكثير من الأسر، وهجرت أخرى، فأصبح التواصل صعبا بين الأهالي والأقارب على طرفي الحدود. كان ذلك يذكره بمأساته التي يعرفها الأستاذ حق المعرفة. لقد أخبره بجميع تفاصيلها، كما أنها كانت حديث الجميع في المنطقة المتاخمة للحدود.حين يحدثه الأستاذ في كل ذلك ،كان احميدة يعبر عن استغرابه بكل عفوية:

- أولئك الناس مختلفون في الدين واللغة والعرق. يمكن أن يفعلوا بالناس ما فعلوه. أما نحن والجزائريون فإننا نتشارك في كل شيء..نحن إخوة.. لماذا يحدث لنا هذا الأمر؟

يستمع إليه الأستاذ ويرد قائلا:

- إنه لعبة السياسة القذرة يا صيدقي، يشعلها الكبار، ويكتوي بنارها الصغار.

لم يفرط احميدة في كلبه الذي أخذه معه إلى مسكنه الجديد في الحي الهامشي الذي احتضنه، أصبح الرجل معروفا هناك باللقب الذي أطلقه عليه الحارس، الجميع ينادونه ب"ادزايري"، كان اللقب يستهويه، لأنه يؤكد له بأنه هنا في المكان الخطأ وأنه سيعود يوما إلى هناك.

بواسطة شاحنته أخذ احميدة ينتقل كل يوم إلى مكان جديد، يحمل كميات كبيرة من الآجور أو الاسمنت أو الحديد، ويمضي بها إلى وجهتها، أكثر أسفاره كانت إلى المدن القريبة.. كثيرا ما نقل شحنات إلى مدينة بركان والسعيدية و الناظور.. في الطريق إلى هناك، كان حريصا على الانتقال من إذاعة إلى أخرى. الإذاعة الجزائرية والإذاعة المغربية، وفي بعض الأحيان تستهويه إذاعة هنا لندن، فيستمع بحرقة إلى أخبار فلسطين ومحنة المهجرين الذين فارقوا قسرا ذويهم، وحين يغامر أحدهم للالتحاق بأهله في الضفة الموالية يكون الرصاص من نصيبه.

الاسفلت متمدد إلى ما نهاية، والشاحنة تلتهم المسافات ببطء وتؤدة.في الطريق يلفت انتباهه الأطفال الذين يحملون محافظهم ، ويمضون بخطواتهم الصغيرة نحو مدرسة ما، لا تبدو قريبة. أجسادهم الضئيلة مصرة على التقدم إلى الأمام وأرجلهم الواهنة تتمسك بالتراب المحاذي للإسفلت.. كان بعضهم ينهكه السير، فيلتفت نحو المركبات التي تلتهم الطريق. يرفعون أيديهم الصغيرة مؤشرين بإبهاهم طلبا لتوصيلة، هم في أمس الحاجة إليها، خاصة إذا كانت الشمس معاذية، تنلقي بجحيمها نحوهم. في كثير من المرات كان يتوقف في جانب الطريق، يحمل معه بعض الصبية وينقلهم إلى أقرب مكان ممكن من مدارسهم، يستهويه أن يفعل ذلك.

في كل طفل يرى ابنه "المهدي" الذي يطيب له أن يتخيله وهو يقطع طريقا آخر مشابها لهذا الطريق، وحين ينال منه التعب يرفع إبهامه الضئيل ويشير إلى سائق شاحنة راجيا منه التوقف ليحمله معه نحو وجهته ، حين يهيم في ذلك النوع من الخيال، تفرج شفتاه على ابتسامة متألقة، مشعة، يتمنى أن تقهر المسافات، لتصل إلى ابنه كي تدفئ قلبه، فقط يتمنى لو يحظى ابنه بفرصته، فيتعاطف معه أحد السائقين. يتوقف له في محاذاة الاسفلت، يحمله، ويمضي به إلى حيث تقبع مدرسته.

ظل احميدة وفيا لجلسته في المقهى المقابل للعمارة التي تقطن بها المرأة الشبيهة لزوجته. لقد أصبح يعرفها بأدق تفاصيلها.حتى أنه يميز سحنتها حتى لو كانت وسط جمهرة من النساء.. التقى بها كثيرا عن بعد. لم يجد لديه الجرأة ليكلمها، لأنه لم يستطع أن يفكر فيها بشكل مختلف. فقط كان يتمنى أن يراها. وحينما يتحقق ذلك يشعر بنوع من الإشباع. لما أخذته الشاحنة إلى البعيد، لم يعد وفيا لمواعيد الالتقاء بها ، التي ربما لا تعرفها المرأة بالتدقيق. ربما لازالت إلى اليوم تظن أن لقاءاته المتكررة بها مجرد صدف متجددة. لكنه أبدا لم ينسها. كانت دوما حاضرة في ذهنه. لذلك حين وقع عليه بصره وهي تقف بجانب الطريق تنتظر وصول وسيلة نقل تحملها إلى وجهتها، خفق قلبه بشدة. ضغط على الكابح وانعرج نحو اليمين، توقف في الممر الترابي المحادي للاسفلت، وانتظر أن تتقدم المرأة نحوه. لكنها لم تفعل، حينذاك انتفض من مكانه، فتح باب الشاحنة وانزلق إلى الأسفل. خطا بخطوات واثقة نحوها. لاحظت المرأة قدومه نحوها فالتفتت نحو الجهة المعاكسة، محاولة تجاهله.. دنا منها أكثر وحين أشرف عليها قال بلهحة محتفية:

- السلام عليكم، ماعرفتيتش؟

حانت منها التفاتة حذرة نحوه فإذا بها تتعرف عليه، فزينت وجهها بابتسامة جميلة، ثم ردت علي:

- عليكم السلام. مرحبا.. اسمح لي ماكنت كانعرف بأنك سائق.

نظر إليها نظرة متفهمة و متسامحة ، ثم خاطبها بلهجة وقورة:

- تفضلي.. أين أنت ذاهبة؟

- إلى مدينة السعيدية.

- جيد سأمر عليها في طريق. أنا ذاهب إلى مدينة الناظور 

تخلصت المرأة من خجلها وترددها، فتزحزحت من مكانها، هرول احميدة نحو الشاحنة ليرتب دواخلها بما يليق بالضيفة العزيزة. فتح لها الباب على يمين الشاحنة، فاستقرت في مقعدها الجلدي الذي حال بعض لونه.. استأنفت الشاحنة سيرها، واحميدة في حالة يصعب التكهن بها، كان فرحا بهذا اللقاء المفاجئ ، الذي أبدا لم يتصور أن يحدث بمثل هذه البساطة ، وفي مثل هذه الظروف المناسبة. فأن يجمعه القدر بهذه المرأة التي طالما تمنى أن ينال منها نظرة واحدة أو كلمة شاردة، فذلك أقصى ما كان يتمناه.. لزمت الاثنان الصمت لفترة من الزمن، ثم على حين غرة سألته:

- تبدو لهجتك مختلفة. أنت لست من مدينة وجدة.

أكد احميدة على كلامها:

- نعم أنا أقيم فيها بشكل استثنائي، في انتظاري أن أعود إلى أهلي.

جوابه هذا أذكى في نفس المرأة بعض الفضول فسألته:

- أين يقيم أهلك ؟

- يقيمون في الجزائر.

استبدت الدهشة بالمرأة فألفت سؤالها العفوي

-هل أنت من المرحلين عن البلد بسبب الحرب؟

-نعم بالتحديد. وكيف عرفت ذلك.

- لقد خمنت الأمر..

أفرجت على آهة كبيرة ثم أردفت قائلة:

- أنا كذلك تعرضت لنفس المصير. زوجي وأبنائي لا يزالون في الجزائر. بينما طردت أنا إلى المغرب.

نوع من الذهول هيمن على نفس احميدة لزمن معلوم.. فسر على ضوئه اهتمامه بالمرأة وميوله نحوها. وكhنه كان يشعر بأنها تشترك معه في هول المآساة. استرق نظرة إلى وجهها k فرأى الحزن والألم يستوطن ملامحها. أبدا لم ينظر إليها بمثل هذا القرب.

إنها امرأة جميلة، لكنها كئيبة. تحمل في دواخلها الكثير من الهموم والأحزان. هذا الإحساس حفزه على أن يتعاطف معها بشكل كبير.. حكى لها حكايته، وحكت حكايتها. كان الكثير من اليأس يرفرف على أجواء الحكايتين، فرغم تشبت كل منهما بالأمل، بيد أنه أمل متهالك، متداع، يوشك على أن يصبح حطاما. إنهما يتشبتان به بالرغم من ذلك. لكن في قرارة نفسيهما كانا يشعران بأنهما واهمان.. حتى توقف الحديث انطوى كل منهما على نفسه، يجتر مرارته. لعلع صوت الإذاعة يغطي الأجواء. المذيع يتحدث عن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط. حرب ثلاثة وسبعين حديث الساعة. الجميع يتحدث عن النصر غير المكتمل للعرب في الحرب، معاناة الفلسطينيين تستمر. الكل يتحدث باسمهم، وهم الغائب الأكبر عن الساحة. منظمة التحرير الفلسطينية تنتقل من بلد إلى آخر. تتجرع هزائم متوالية.. كل ذلك لم يشغل احميدة الذي كان أهم ما يستبد بعقله ووجدانه هو ما يحدث للناس، للمواطنين البسطاء الذين يكتوون بشظايا الحرب، خاصة أولئك القاطنون في الحدود بين البلدان المتنازعة، الأسر تتشتت والعائلة كذلك.. فكر في وضعه ووضع المرأة التي بجانبه. قال في نفسه "لا أحد يجرؤ على ارتكاب هذا الجرم. الزوجة تنتزع من زوجها وأبنائها والزوج يرحل عن زوجته وأبنائه، ثم انخرط في السياقة، بعقل متأرجح وإحساس لا يستقر على حال.. دخلت الشاحنة إلى مدينة بركان، طلب من المرأة التي عرف فيها بعد اسمها أن ترافقه إلى المقهى لتناول شيء ما قائلا:

- راضية. يجبأن نتناول شيء ما.

رفضت المرأة ذلك. فاستأذنها ثم اتجه نحو مقهى، شرب فنجان قهوة، ثم اقتنى بعض الطعام وعاد إلى الشاحنة. قدم إلى المرأة ما اقتناه لكنها رفضت قبوله.

حينذاك أصر عليها قائلا:

- يجب أن نشرك الطعام والملح.

زينت وجهها بابتسامة خجلة، ثم مدت يدها وتناولت بعض ما أحضره لها.

في ضاحية مدينة السعيدية الشاطئية، طلبت راضية من احميدة أن يتوقف وينزلها، لأنها وصلت إلى وجهتها. استجاب الرجل لها. أوقف الشاحنة، فتح الباب، ودعها بكلمات محتفية، واعدا إياها بأن يلتقيها في مناسبات لاحقة. أكدت المرأة على كلامه، وهي تقول:

- على الأقل نتبادل المعلومات والأخبار، فنحن نعاني من نفس المصيبة.

غادرت راضية الشاحنة، التي استمرت في طريقها في اتجاه مدينة الناظور. خيم على احميدة إحساس جميل وهادئ. لازمه بعض الشرود وهو يفكر في هذا الحضور المربك والمفاجئ لراضية. أخرج سيجارة. أشعلها، شرع يمتص دخانها ويمجه بانتشاء، وهو يمضي في طريقه نحو وجهته المعلومة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق